الدوحة.. أمل متزايد في أن تستعيد الحياة رداء بهجتها وتكسر شوكة الجائحة بحلول الشهر الفضيل

الدوحة – في ظل حالة عصيبة من فقدان البوصلة والإحساس بالفقد والريبة والانشغال بالآتي المجهول في زمن الجائحة الكريهة، يتجدد الأمل هنا في الدوحة، وغيرها من بلاد الإسلام، في أن يعيد رمضان، الذي هلت بشائر مقدمه، بعضا من توازن الروح، وتنفرج معه غمة الفقد المتزايد لعدد من مباهج الحياة في بعدها الاجتماعي، وخاصة الروحية منها المرتبطة بصلوات الجماعة في المساجد وشعائر العمرة والحج.

وبمقدار ما تغيب كل أجواء التحضيرات المعهودة لاستقبال الشهر الفضيل في الدوحة، وقد لا يختلف الأمر كثيرا في بلدان الإسلام الأخرى، وتختفي أيضا ملامح مظاهر الفرح بمقدمه في لجة قلق صحي وانشغال بتوقعات اقتصادية مأساوية وتحولات محتملة في سلوكيات الأفراد ونظم الحياة الاجتماعية، يكبر الأمل في أن تحمل بشرى هلاله بعضا من توازن الحياة والروح والأمل في غد يعيد للحياة بهجتها وانسيابيتها بعيدا عن كل قيود أو هواجس ارتيابية.

ويهفو المغتربون عن بلدانهم زمن الجائحة أن يأتي شهر رمضان بدفئه الرحيم لينزع عنهم، ولو الى حين، ثوب الاغتراب، الذي فاقم لديهم غربة الروح والعزلة والقلق من مغادرة الحياة خارج الديار، وضاعف لديهم، وعلى نحو أكثر قسوة، ضنى التوجس المؤرق من أن تصل أخبار الفقد عن الأحبة والأهل، وما من أجنحة للالتحاق بمهد الميلاد؛ إذ ما يزال الإغلاق الحدودي وقوانين الحجر الحازمة سيدة الموقف.

وفي سؤال لأحد الدبلوماسيين بقطر، عن توقعاته حول الأجل المحتمل لانفكاك الحجر الصحي وعودة الطيران المدني وانسيابية الحياة الى مجرى نهرها الطبيعي، جاء الجواب ليزيد اللهفة عطشا، إذ برأيه لن يكون في حدود اللحظة الحاضرة الجواب عن سؤال من هذا القبيل إلا ضربا من تقمُّص قدرة خيالية على إعطاء معادلة لصناعة أكسير الحياة الذي طالما كان حديث الأساطير والحكايا العجائبية.

فعلا أصبحت العودة، في الظرف الراهن، الى الحياة الطبيعية اكسير الحياة الحقيقي.

ولم يصدر عن السلطات في الدوحة الى غاية الآن ما ينبئ عن مواعيد محددة لفك الحجر المنزلي واستئناف الصلوات في المساجد وعودة الحياة الى المتاجر والأسواق، والأنشطة الرياضية وأيضا الثقافية والفنية الى فضاءاتها المتعددة بصخب المتحلقين حولها وركض الأطفال، وما يصاحب ذلك في العادة من استسلام ممتع لجاذبية ما تثيره روائح مختلف ما تسوقه المطاعم والمقاهي من مأكولات العالم، وفي خلفيتها عبق مشروب القهوة بتعدد نكهاته، وفي الواجهة حلويات الشام العسلية المذاق وألوان شتى من المثلجات.

ما من شك، أنه بعد حالة الإغلاق التي طالت عدة أمكنة، وأوقفت التنقلات وحجبت إمكانية التلاقي الجماعي، فإن رمضان هذه السنة، وفي غياب المساجد وحلقات الذكر وخيام الكرم الرمضاني الجماعية، سيكون حتما بنكهة مغايرة.

وستشتد الحاجة فيه أكثر من أي وقت مضى الى الجانب الروحي والى اعتصار رهبة اللحظات النورانية في كنف القوة الأكبر التي لا مخلص من كل الملمات دون ارتقاب فيض عطاياها.

تقول الكاتبة والباحثة الأكاديمية القطرية خولة مرتضوي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن “رمضان هذا العام سيمر علينا بشكل استثنائي نظرا لما أملتهُ الجائحة من إجراءات احترازية صارمة. وبدلا من أن يكون مجالا زمنيا وروحيا للتواصل الاجتماعي والطاعات صحبة الأسرة الممتدة والأهل والمعارف والأصدقاء، ستكون منازلنا وأسرنا النووية ملاذنا وملجأنا الأول لإحياء هذه الطقوس الموسمية”، وهي بالتأكيد، ستكون “محنة تحتاج إلى صبر وتصبُّر حتى تنجلي بسلام وأمان ورحمة”.

ففي أجواء اعتاد المسلمون أن يتهيأوا بالملبس والمأكل وروحانيات استقبال سيد الأشهر، وأكثرها ألقا روحيا وإقبالا على التجمعات العائلية، وأيضا أجملها التذاذا بما يتيحه من مباهج هذا الدفء الإنساني، تحولت بوصلة الاهتمام كلية إلى متابعة نتائج معركة يخوض نزالها العسير أبطال من نوع آخر نذروا جهودهم للتخفيف من محنة العالم الصحية المفاجئة.

ويزداد مع منعطفات هذه المعركة، المتواصلة منذ شهور في أماكن مختلفة من هذا العالم، الترقب المرير يوميا لحجم أرقام ضحايا الجائحة والمصابين حول العالم.

ويوميا عند ساعة الإفراج عن هذه الأرقام، يتوحد الكل خلف الشاشات من قلب الحجر الصحي القسري، في حالة ألم جماعي لم يعد معها الاخر، باختلافاته الدينية والعرقية ومواقع تواجده الجغرافي، مفارقا للذات، بل صار جزءا منها؛ في حالة توحد جماعي باتت تكشف بعمق عن خصيصة الإنسان الواحدة وهشاشته أمام النوازل حين يعجز العلم وتقف قوة السلاح والمال دونها، غنيمة صفرية ومحض سِقْطٍ زائل.

وفي الدوحة، المدينة العالمية بحجم وتنوع الجاليات المتواجدة بها، كل يرهف سمعه وأفئدته، ضمن الهم الإنساني العام، وبقلق متزايد، إلى ما يجري في بلاده من تدابير احترازية وما تكشف عنه يوميا أرقام ضحايا وإصابات الجائحة.

ومن المؤكد بخبرة الأيام أن الانشغال يتضاعف خارج حدود الوطن، إذ بقدر ما يَشُدُّ الهَمُّ الكوني، يَرُجُّ ويزيد من ارتياع النفس وألمها هَمُّ الوطن على بعد آلاف الأميال، ومعه أيضا الهَمُّ المحلي لبلد الإقامة.

ويزداد، في ركاب الشهر الفضيل والرغبة الخانقة في استعادة الحياة لمسارها الطبيعي، انهمار الأسئلة المتناسلة عن سؤال كبير مؤرق لن يكون شيئا آخر غير إن كان العالم سيتجاوز قريبا، وفي كل حدوده الواسعة قاريا والضيقة محليا، حالة الفزع والفرار من كائن متوحش غير مرئي يتربص به في كل الأمكنة، حتى تلك الأكثر أمانا؛ في المساجد وفي بيت الله الحرام، وفي لحظات الطواف حول الكعبة المشرفة، ويخلق لديه الريبة من الآخر ويزيد من عزلته الاجتماعية والروحية.

وفي تناسل الأسئلة المتطلعة الى الخلاص، تميل فطرة المؤمن البسيط، ودون أدنى ارتياب، الى الأمل في الله تعالى بأن يأتي الشهر الكريم بعطاء أوفر، وفي أجنحته البيضاء النورانية ما يفيض عن المقام ليطهر الأمكنة كلها من هذا المتربص الشرير اللامرئي.

وفي يقين الكل، مهما اشتدت الحيرة، أن الأيام المقبلة ستحمل بشرى الفتح العلمي لتجاوز محنة عَجْز العالم، بجبروته وما يدعيه من تفوق، أمام كائن لا يملك الحياة إلا من خلال اقتحام سكينة خلايا الجسد البشري وتمزيق صلة وصله بأكسجين الحياة.

ويبقى الأمل بالفعل، في أن تحل مع نورانية مقدم الشهر الفضيل بشائر انحسار الجائحة واختراع التلقيح والدواء الفعالين، ويستيقظ معها الاقتصاد العالمي من غفوته القاتلة، وتنتبه من جديد دينامية سلاسل الإنتاج في قطاعات عدة، وتتطهر الإنسانية في جانب منها من أنانية الأخذ دون العطاء، والاستحواذ دون الاقتسام، والتواضع والتعايش بدل الكبر والتفاخر بالقوة المدمرة.

شاهد أيضاً

الاتحاد الأوروبي يدعو إلى التحرك “بشكل عاجل” من أجل خفض التوتر في القدس

دعا الاتحاد الأوروبي، السبت، السلطات الإسرائيلية إلى التحرك «بشكل عاجل» لوقف التصعيد في القدس بعد …