رمضان في تونس.. تقوى وحجر صحي وبعض أوجه الإفراط

تونس – في الوقت الذي تواجه فيه الإنسانية حاليا، ما يبدو أنها أخطر أزمة عرفتها على مر العصور، تستقبل تونس، على غرار باقي البلدان الإسلامية الأخرى، شهر رمضان المبارك، في ظل أجواء من التقوى، ولكن أيضا وقبل كل شيء أجواء من القلق والتساؤل.

وفي انتظار مرور العاصفة وعودة الحياة إلى طبيعتها، تجد البلاد نفسها مضطرة لتعيش شهر رمضان هذا العام على نحو مغاير لما اعتادت عليه، وفي ظل الأجواء التي ظلت مرتبطة به، وإن كان هذا الشهر لا يفقد مع ذلك، سحره وطابعه الروحي.

ولئن كانت السلطات تتجه نحو التخفيف من حظر التجوال والحجر الشامل المفروض، منذ 22 مارس، فإن البلاد ستشهد هذا العام شهر رمضان مختلفا تماما على ما اعتادت عليه.

فبسبب فيروس كورونا، سيضطر الجميع خلال هذا الشهر إلى مواصلة الحذر، والخضوع للحجر العام مع الاحترام الصارم للقواعد الصحية الأساسية لتجنب الإصابة بالفيروس الذي أربك الجميع وغير كل شيء، كما أعاد وضع كل شيء في موضع التساؤل: إيقاع الحياة وحتى طريقة الصيام والإفطار والعادات التي ظلت تصاحب شهر رمضان.

إن شهر الصيام والتقوى والتقاليد العريقة لم تحُل مع ذلك، دون ميل العديد من التونسيين إلى الإقبال على وجبات معينة والإفراط في الاستهلاك.

فعلى الرغم من الطابع الاستثنائي للسياق الحالي، يتم التساؤل عما إذا كان التونسيون سيقاومون عاداتهم طوال هذا الشهر، والإقبال على الشراء في الأسواق المزدحمة في كثير من الأحيان، و الاصطفاف في طوابير أمام المتاجر، و استخدام وسائل النقل العامة بكثافة.

وفي ظل هذه الظروف، حيث يفترض أن تكون التقوى والورع هي القاعدة، تصبح الحياة خلال هذا الشهر مرادفا لعدد من أوجه الإفراط والتجاوزات. إذ يلاحظ الاحتكار والمضاربة في عدد من المواد الاستهلاكية والزيادة في الأسعار بشكل غير مشروع.

حمى الشراء التي تحدث في مثل هذه الفترة يحولها التجار لصالحهم لفرض قانونهم الخاص الذي يخلف التذمر في ظل اضطرار المستهلك وعدم قدرته عن التخلي عن عادات معينة، حتى ولو كان ذلك على حساب الضغطً على ميزانية الأسرة.

وبالرغم من كل ذلك، فإن المستهلك التونسي لا يستطيع في كثير من الأحيان التغلب على عادات الشراء بإفراط، حيث يلاحظ الإقبال بكثافة على شراء اللحوم والخضروات والفواكه والحلويات التقليدية والملابس الجديدة للعيد، مهما كان الثمن ومهما كانت الظروف.

ولهذه الغاية، تقوم السلطات التونسية، ولاسيما وزارة التجارة، بالاستعداد مسبقا لضمان الإمدادات الكافية من مختلف المواد، لتجنب النقص من خلال تكوين احتياطيات كبيرة بهذه المناسبة بما في ذلك استيراد اللحوم الحمراء إذا لزم الأمر، لتجنب ارتفاع الأسعار بشكل كبير.

وعندما يرتفع الاستهلاك، فليس من المستغرب ملاحظة زيادة الإنفاق على المواد الغذائية بحوالي 34 في المائة خلال هذا الشهر مقارنة بباقي السنة.

وعلى الرغم من وضع الحجر الصحي فإن العديد من المشاهدين لن يكونوا في وضع أفضل. ذلك أن القنوات التلفزيونية المعتادة على إعداد شبكة خاصة من البرامج بهذه المناسبة، من خلال وفرة في المسلسلات الهزلية والبرامج الترفيهية (بما في ذلك الكاميرا الخفية…) قد تأثرت بشكل كبير بسبب الوباء، حيث اضطرت للتوقف عن مواصلة تصوير عدد من برامجها بسبب الحجر الشامل.

ولئن كانت الحياة ليلا في المدن قد اعتادت في ما مضى على الصخب والسهر، فقد باتت بفعل الحجر رتيبة وهائدة حد السكون. وفي ظل هذا الوضع الاستثنائي، لم يعد من الممكن القيام بالجولات الليلية المطولة في تونس العاصمة المضاءة، كما لم يعد ممكنا إحياء الأمسيات الجماعية ولا سهرات المهرجانات، وكذا إقامة صلاة التراويح في المساجد.

ذلك أن تهديد الوباء الذي يواصل الانتشار وحصد حياة الكثيرين عبر العالم، يطل برأسه، ويضطر الناس إلى الخضوع إلى القواعد لحجر الصحي الشامل.

هذا الوضع بات يفرض الرضا بالقليل، والاستسلام للحجر، وتقبل العيش بشكل مغاير للمعتاد وفق تنظيم مختلف خلال هذا الشهر المبارك. كما بات يتعين التحلي بالصبر لأن الصحة لا تقدر بثمن، والركون إلى البيت والاقتراب أكثر من أفراد العائلة، والميل إلى المساعدة، وتعويض الوقت الضائع.

إن وباء كورونا الذي يمثل امتحانا كبيرا، فرض نفسه على الجميع، وأظهر أكثر من ذلك، أن الحياة تستحق مثل هذه التضحية.

المصدر مع 2020/04/27

شاهد أيضاً

الصين تتجاوز عتبة مليار جرعة من لقاحات كوفيد-19 المعطاة لسكانها

أفادت اللجنة الوطنية للصحة الصينية، أمس الأحد، أنه تم إعطاء أكثر من مليار جرعة من …