شنغهاي: مبان تاريخية تقاوم عوارض الزمن وجشع المضاربين العقاريين

شنغهاي – تقف حديقة “يو” صامدة وسط الحي المالي “بودونغ” بشنغهاي، شاهدة على حقبة تاريخية زاخرة من تاريخ إمبراطورية أسرة مينغ في الصين. تتوسط باحتها برك مائية وتلال صغيرة تمتع العين التواقة إلى اكتشاف جمال موقع من عبق التاريخ، تؤثثه طبيعة خلابة عنوانها الخضرة والماء الزلال.

في قلب الحديقة الممتدة على مساحة 20 ألف متر مربع، نظرة بانورامية جميلة على أبراج وناطحات سحاب زجاجية تتحدى الجاذبية تطل على المدينة القديمة ومعابدها وقصورها في حوار معماري حضاري متجانس يعكس القيم الجمالية للعمارة الصينية ويشهد على عظمة هذه الحضارة وإنسانيتها.

لكن هذا التجانس المعماري والحضاري يخفي واقعا أكثر تعقيدا. زحف عمراني غير وجه مدينة كانت الى وقت قريب قرية بحرية بسيطة. و”بودونغ” خير مثال على هذا التحول العمراني العميق. فالحي المالي المطل على نهر هوانغبو أضحى موطنا لأبراج وناطحات سحاب صماء بعض طوابقها مهجورة، في تناقض صارخ مع معابد وحدائق تاريخية ومتنزهات مجاورة كانت ولاتزال تنبض بحياة مستمرة عبر قرون موغلة في التاريخ.

تشهد الصين طفرة بناء تاريخية حيث أقامت أكثر من ملياري متر مربع من المساكن والمكاتب الجديدة العام الماضي. لدى شنغهاي أزيد من ثلاثة عشر مبنى يفوق طولها 200 متر، ومنطقة بودونغ، التي كانت مجرد أراض فلاحية في الثمانينات من القرن الماضي، أضحت تأوي ثاني أطول برج في العالم. متوسط طول عمر المباني في المدينة أقل من نصف مثيلاتها في الولايات المتحدة، مما يعني أن المباني يتم في غالب الأحيان، تجديدها أو هدمها وإعادة بنائها.

والمتأمل في المنظومة العقارية الصينية يلاحظ أنه بات لدى الصينيين “هوس” بالمباني شاهقة الارتفاع عامة وناطحات السحاب بصفة خاصة. وتحتل الصين موقع الصدارة في طفرة بناء ناطحات السحاب منذ أعوام، ففي عام 2019 بلغ عدد ناطحات السحاب الجديدة في الصين بمفردها 56 مبنى. وفي أواخر العام الماضي كان لدى الصين 15 برجا ضمن أطول 26 مبنى في العالم.
وبفضل الطموح الصيني في بناء ناطحات السحاب، أضحت القارة الأسيوية مركزا عالميا لبناء هذه النوعية من المباني الشاهقة، حيث تمثل 69 في المائة من مجموع عمليات البناء. وفي مدينة شنتشن، التي يحبد البعض تسميتها ب”وادي السيليكون الصينية”، تم العام الماضي تشييد ما يعادل 15 ناطحة سحاب، أي أكثر من عدد الأبراج التي شيدت في الولايات المتحدة.

النموذج الحضري الذي تقدمه الصين ليس وليد الصدفة بل تحركه مجموعة من العوامل أبرزها الطفرة الاقتصادية للبلد، رافقها نمو طبقة ثرية أفرزت طلبا قويا على الإقامة في ناطحات السحاب، فكما أن الأبراج ترمز للنجاح الاقتصادي للمدينة، فإنها ترمز للثراء المالي لقاطنيها أيضا.

ينضاف إلى هذه العوامل عملية “تحضر” غيرت وجه المدن الصينية، التي تحولت بعضها من بلدات وقرى صيد أسماك صغيرة (شنتشن كنموذج) إلى مدن عمرانية حضارية ضخمة، وهذا الأمر تطلب في جزء كبير منه تغيير نظرة البلد تجاه المعمار الحديث، وإضفاء طابع عصري على الهندسة المعمارية للدولة.

تشييد أبراج شاهقة علامة لا تخطئها العين لاستعراض دينامية التحضر، لكن بريقها لا يغري الجميع، إذ أن محللين اقتصاديين في الصين يتساءلون عن جدوى هذا الزحف العمراني والتكلفة والعائد من هذا النمط المعماري، ومدى ملاءمته لاحتياجات الصين الاقتصادية.

طفرة البناء الراهنة، يقول مدير مكتب عقاري فضل عدم ذكر اسمه، في تصريح لوكالة المغرب العربي للانباء، تشهد تباينا بين العرض والطلب، ما يصنع فقاعة عقارية تبرز بشكل واضح في ناطحات السحاب الفارغة، مذكرا بأن أعلى مبنى في البلاد، وهو برج شنغهاي الذي يبلغ طوله 632 مترا، ظل فارغا إلى حد كبير منذ افتتاحه في عام 2015.
نمط الأبراج في شنغهاي قد يعكس ببساطة اقتصادها المزدهر. ومع نصيب للفرد من إجمالي الناتج المحلي هو من بين الأعلى في المدن الرئيسية في الصين، تشهد المدينة ارتفاعا أيضا في أسعار الأراضي والعقارات. ويتم حاليا بيع شقق ومنازل وسط المدينة بسعر 17 ألف دولار للمتر المربع وفق موقع “نامبيو.كوم”، الذي يرصد أسعار العقارات في المدن الرئيسية الصينية.

يدفع بعض الخبراء في المجال الهندسي بأن هناك هدرا في هذا النمط من البناء في بلد كالصين وأن طفرة البناء الراهنة تشهد تباينا بين العرض والطلب، لكن بيانات رسمية حديثة تبدد هذه المخاوف. فوفق تقرير صادر عن “تشاينا إندكس أكاديمي”، إحدى الهيئات البحثية للعقارات، بلغ متوسط حجم المبيعات لأكبر 100 منعش عقاري في الصين 36.91 مليار يوان (حوالي 5.21 مليار دولار أمريكي) في الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، ما يعني بيع 2.73 مليون متر مربع .

وأضاف التقرير أن مبيعات معظم كبار المنعشين العقاريين ارتفعت في مايو الماضي، موضحا أن حجم مبيعات أكبر 100 شركة عقارية نمت بنسبة 31.5 في المائة في الشهر الماضي مقارنة بأبريل.

المنظومة العمرانية الحديثة لشنغهاي نتاج حركية متراكمة ساهمت سلطات المدينة في إضافة لبنات جديدة عليها مما كرس انفتاحها واستقرارها الاقتصادي. ويأمل سكان شنغهاي أن لا تكون هذه الدينامية على حساب النمط المعماري التقليدي. فالحي البريطاني بالمدينة، وفق مدير المكتب العقاري، حافظ على طابعه المعماري الكولونيالي الفريد شأنه في ذلك شأن الحي الفرنسي ببناياته ودكاكين حرفييه التقليدية، فأصبحا يمثلان شريان المدينة ومقصد الزوار ومفخرة البلدية والقائمين على شؤونها.

المصدر مع 2020/06/15

شاهد أيضاً

الصين تتجاوز عتبة مليار جرعة من لقاحات كوفيد-19 المعطاة لسكانها

أفادت اللجنة الوطنية للصحة الصينية، أمس الأحد، أنه تم إعطاء أكثر من مليار جرعة من …