وباء كورونا المستجد يرخي بضلال ثقيلة على الأجواء الرمضانية بموريتانيا

نواكشوط – إذا كانت الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها السلطات الموريتانية للتصدي لتفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) قد أثبتت نجاعتها وفعاليتها على أكثر من صعيد، فإنها في المقابل، لم تحل دون أن يرخي هذا الوباء العالمي بضلال ثقيلة على مختلف مظاهر الحياة بموريتانيا، وخاصة خلال شهر رمضان الكريم.

وقد بدا جليا أن تلك الإجراءات الاحترازية مكنت بالخصوص، من تطويق الفيروس واحتوائه في مراحله الأولى، ولا أدل على ذلك من أن عدد الإصابات المؤكدة في البلاد لم يتعد لحد الآن ثماني حالات، تماثلت ست منها للشفاء، وتوفيت واحدة، بينما تتلقى الحالة الأخيرة العلاج في الحجر الصحي.

وشاءت الأقدار أن تتزامن تلك الإجراءات مع شهر رمضان الكريم، لتؤدي إلى حجب العديد من الممارسات والعادات، الدينية والاجتماعية والثقافية، التي ظلت مرتبطة بشهر الصيام، بفعل إقرار الحجر الإجباري، وهو ما انعكس كذلك على الحياة الاقتصادية التي لم تسلم بدورها من تأثيراته السلبية.

فبعد الإعلان عن تسجيل أول حالة إصابة بفيروس كورونا في موريتانيا، يوم 13 مارس الماضي، سارعت اللجنة الوزارية المكلفة بمكافحة الفيروس إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات الفورية الوقائية، شملت إغلاق المقاهي والمطاعم والأسواق الشعبية، وإغلاق المجال الجوي، وتقليص عدد نقاط العبور البرية الحدودية، وإغلاق المؤسسات التعليمية العمومية والخاصة، وتعليق كافة الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية.

كما شملت هذه التدابير، التي وصفت بالحازمة، واستثنت، على وجه الخصوص، الطواقم الصحية والأمنية وشاحنات نقل البضائع، الحظر البات لكافة أنواع التجمهر والتجمعات العامة، وتعليق صلاة الجمعة، وحظر التجول ابتداء من التاسعة مساء إلى السادسة صباحا طيلة الشهر الفضيل، وكذا تعطيل صلاة التراويح بالمساجد، فضلا عن إخضاع كل المسافرين القادمين من المناطق المتضررة للعزل الصحي الذاتي لمدة 14 يوما.

وبناء على تفويض حصلت عليه من البرلمان، صادقت الحكومة الموريتانية، الخميس الماضي، على أمر قانوني يجيز لها سن عقوبات في حق مخالفي الإجراءات الوقائية المتخذة للحماية من فيروس كورونا المستجد.

ويهدف هذا الأمر القانوني إلى تعزيز التدابير المتخذة لمواجهة هذه الجائحة، وخاصة من خلال تحديد الإجراءات التي سيتم القيام بها في مجالات كالتنقل بين الولايات، وحظر التجول، وإغلاق الحدود، وفرض الإجراءات الصحية الاحترازية.

وتحت وطأة هذا الظرف الصحي الطارئ، بات على الموريتانيين خلال رمضان الاستعاضة عن أداء صلاة التراويح في المساجد، بأدائها داخل المنازل، بعدما قررت وزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي السماح للأئمة والمؤذنين فقط بأداء صلاة التراويح في المساجد “تفاديا لتعطيل قيام الشهر المبارك”.

وقد دعت الوزارة المواطنين إلى أداء هذه الصلاة في بيوتهم انسجاما مع إجراءات حظر التجول. وينطبق الأمر ذاته على صلاة الجمعة، التي يتواصل تعليق إقامتها خلال شهر الصيام على كافة التراب الموريتاني، وذلك في إطار إجراءات مكافحة انتشار فيروس “كورونا”، الذي تم تصنيفه جائحة عالمية.

وتفعيلا لقرار وزارة الداخلية واللامركزية، الذي يحظر بشكل قاطع كافة أنواع التجمهر والتجمعات العامة، ويفرض ضرورة التقيد بإجراء التباعد الاجتماعي، تغيب أيضا “موائد الرحمان”، وهي التي ظلت دائمة الحضور خلال الشهر الفضيل باعتبارها واحدة من أبرز الأعمال الخيرية التي يتزايد الإقبال عليها، شأنها في ذلك شأن التجمعات العائلية الموسعة وتبادل الزيارات والجلسات الخاصة بإنشاد الأشعار، أو باحتساء الشاي، والتي تمتد إلى ساعات متأخرة في الليل، ويفتقدها الموريتانيون، وهم الذين ألفوها تؤثث مجالسهم ومسامراتهم خلال الشهر الفضيل.

وتبقى ما يعرف ب”إفطارات الأخوة” بموريتانيا الغائب الأكبر خلال شهر رمضان الحالي، وهي التي تشكل مناسبة لتعزيز أواصر اللحمة الاجتماعية بين مكونات المجتمع الموريتاني.

وغالبا ما يتخلل تلك الإفطارات، التي تشهد مشاركة مختلف الأعراق، إلقاء كلمات باللغات الوطنية الموريتانية (العربية، والبولارية، والسوننكية، والولوفية)، تبرز ثراء التنوع العرقي والثقافي واللغوي للمجتمع الموريتاني، سعيا إلى نشر قيم وثقافة التعايش والتآخي.

ولم تسلم الأنشطة الرياضية بدورها، من إجراءات حظر التجمعات والتجول الليلي، حيث بقيت ملاعب كرة القدم المصغرة والفضاءات التي يقصدها هواة رياضة المشي، والتي تنتشر في أرجاء العاصمة نواكشوط وغيرها من المدن، خالية على عروشها، بعد ما وجد روادها، الذين اعتادوا على ممارسة هوايتهم المفضلة ليلا، أنفسهم مضطرين للامتثال للتدابير الاحترازية المتخذة للوقاية من تفشي فيروس كورونا المستجد.

وفضلا عن كون رمضان شهرا للتعبد والتقرب إلى الله، فإنه يمثل أيضا مناسبة تشهد رواجا اقتصاديا وحركة تجارية نشيطة، بالنظر إلى الإقبال الكبير على مختلف البضائع والمنتوجات وارتفاع منسوب الاستهلاك، غير أن الأمر لن يكون كذلك هذه السنة، وذلك على إثر قرار إغلاق الأسواق الشعبية بمختلف أرجاء البلاد، باستثناء محلات المواد الغذائية.

وزاد هذا الوضع من معاناة صغار الباعة والباعة المتجولين، الذين كانوا يجدون في تجارة المواد الاستهلاكية المرتبطة بالشهر الفضيل فرصة لتحسين مداخيلهم، بعد أن عطلت الإجراءات الاحترازية المتخذة للوقاية من انتشار فيروس كورونا نشاطهم، مما دفعهم إلى مطالبة السلطات بالالتفات إلى معاناتهم، جراء إغلاق الأسواق ووقف حركة التنقل بين الولايات، إما عبر السماح لهم بالتعاطي لتجارتهم، أو تمكينهم من مساعدات إنسانية.

وللحد من الآثار الاجتماعية والاقتصادية لوباء (كوفيد-19) على الفئات الأكثر هشاشة ومحدودي الدخل، والقطاعات المتضررة، أطلقت السلطات الموريتانية خطة استجابة عاجلة تتكون من حزمة من الاجراءات، حيث أنشأت “صندوق التضامن الاجتماعي ومحاربة كورونا”، وضخت فيه مبلغا يناهز 61 مليون أورو، كما خصصت مساعدات مالية لفائدة 30 ألف أسرة محتاجة، فضلا عن حملة واسعة لجمع التبرعات في أوساط رجال الأعمال والقطاعات الحكومية والشركات الخاصة والمواطنين.

وعلى الرغم من حالة الانقسام التي أثارتها الإجراءات المتخذة للحيلولة دون تفشي فيروس كورونا، وسط الرأي العام الموريتاني، بين من يرى ضرورة تعزيز المكاسب المحققة، ومن يعتبر أن البلاد وصلت إلى بر الأمان بعدم وجود الوباء داخلها، مما يحتم رفع التدابير الاحترازية، أو على الأقل كل ما اشتمل على أدنى تقييد للناس، في معاشهم أو شعائرهم أو حرياتهم الأساسية، فإن السلطات قررت، يوم 21 أبريل الماضي، تمديد العمل بالإجراءات الاحترازية، باستثناء حظر التجوال الليلي الذي ارتأت التخفيف منه، ليصبح من التاسعة مساء إلى السادسة صباحا.

وبررت السلطات موقفها ذاك، بكونها غير متأكدة من خلو البلاد من حالات الإصابة بالفيروس، وبأنه قد تكون هناك حالات إصابة لا تظهر على أصحابها أعراض “كورونا”، مؤكدة ضرورة “المحافظة على الجهود والتدابير التي اتخذنها والتي كانت ناجعة، ولا يمكن تخفيف الإجراءات لأن الخطر مازال قائما”، وفق ما صرح به وزير الصحة الموريتاني محمد نذيرو ولد حامد.

المصدر مع 2020/05/05

شاهد أيضاً

الصين تتجاوز عتبة مليار جرعة من لقاحات كوفيد-19 المعطاة لسكانها

أفادت اللجنة الوطنية للصحة الصينية، أمس الأحد، أنه تم إعطاء أكثر من مليار جرعة من …